أحمد زكي صفوت

107

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وأن قد وقع الأمر » . قال : وما هذا الذي تذكرين ؟ قالت : « وعد من اللّه نزل ، وباطل بطل ، ونكال بنا نكّل ، فبغيرك يا عمرو فليكن الثّكل « 1 » ، فانطلق عمرو فإذا الجرذ يقلب برجليه صخرة ما يقلبها خمسون رجلا ، ( كذا ) فرجع إلى طريفة فأخبرها الخبر وهو يقول : أبصرت أمرا عادني منه ألم * وهاج لي من هوله برح السّقم « 2 » من جرذ كفحل خنزير الأجم * أو كبش صرم من أفاريق الغنم « 3 » يسحب صخرا من جلاميد العرم * له مخاليب وأنياب قضم « 4 » ما فاته سحلا من الصخر قصم « 5 » فقالت طريفة : وإن من علامات ما ذكرت لك أن تجلس فتأمر بزجاجة فتوضع بين يديك ، فإن الريح تملؤها من تراب البطحاء « 6 » ، من سهلة « 7 » الوادي ورمله ، وقد علمت أن الجنان مظلّلة لا يدخلها شمس ولا ريح ، فأمر عمرو بزجاجة فوضعها بين يديه ولم يمكث إلّا قليلا حتى امتلأت من تراب البطحاء ، فأخبر عمرو طريفة بذلك وقال لها : متى يكون هلك السدّ ؟ قالت له : فيما بينك وبين سبع سنين . قال : ففي أيها يكون ؟ قالت : « لا يعلم بذلك إلا اللّه ، ولو علمه أحد لعلمته ، ولا تأتى علىّ ليلة فيما بيني وبين سبع السنين إلا ظننت الهلاك في غدها ، أو في مسائها ، ثم رأى عمرو في نومه سيل العرم ، وقيل له : آية ذلك أن ترى الحصباء في سعف النخل ، فنظر إليها ، فوجد الحصباء فيها قد

--> ( 1 ) الثكل كسبب وقفل : الموت والهلاك . ( 2 ) البرح : الشدة . ( 3 ) الأجم جمع أجمة : وهي الشجر الكثير الملتف ، والصرم : الجماعة والفرقة تجمع على فرق ، وجمع الجمع أفراق ، وجمع جمع الجمع أفاريق ، والجلاميد جمع جلمود كعصفور : الصخر . ( 4 ) العرم : السد يعترض به الوادي ( ومن معانيه أيضا المطر الشديد ، والجرذ ، وواد جاء السيل من قبله ) . ( 5 ) سحله كمنع : قشره ونحته ، وقصمه : كسره . ( 6 ) البطحاء والأبطح : مسيل واسع فيه دقاق الحصى . ( 7 ) السهلة بالكسر : تراب كالرمل يجيء به الماء ، وأرض سهلة كفرحة : كثيرتها .